أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
89
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وحينئذ لا يخلوان تجعل الواو الداخلة عليهما للقسم أو للعطف ، والأول يلزم منه محذور وهو الجمع بين قسمين على مقسم ، قال : « وهم يستكرهون ذلك » والثاني : ممنوع لظهور الجر فيما بعدها ، والفرض أنك قدرت المعطوف عليه في محل نصب . وهو رد واضح إلا أن يقال : هي في محل نصب إلا فيما ظهر فيه الجر بعده كالموضعين المتقدمين و : حم ، وَالْكِتابِ « 1 » ، و : ق ، وَالْقُرْآنِ « 2 » ولكن القائل بذلك لم يفرق بين موضع وموضع فالرد لازم له . والجر من وجه واحد وهو أنها مقسم بها حذف حرف القسم وبقي عمله كقولهم : « اللّه لأفعلن » أجاز ذلك أبو القاسم الزمخشري وأبو البقاء . وهذا ضعيف لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لا يشركها فيه غيرها . فتلخص مما تقدم : أن في « ألم » ونحوها ستة أوجه وهي : أنها لا محل لها من الإعراب أولها محل وهو الرفع بالابتداء أو الخبر والنصب بإضمار فعل أو حذف حرف القسم والجر بإضمار حرف القسم . وأما ذلِكَ الْكِتابُ فيجوز في ذلك أن يكون مبتدأ ثانيا والكتاب خبره والجملة خبر ألم وأغنى الربط باسم الإشارة ويجوز أن يكون ألم مبتدأ و ذلِكَ خبره و الْكِتابُ صفة ل ذلِكَ أو بدل منه أو عطف بيان وأن يكون ألم مبتدأ و ذلِكَ مبتدأ ثان و الْكِتابُ : إما صفة له أو بدل منه أو عطف بيان له . و لا رَيْبَ فِيهِ خبر عن المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر عن الأول ، ويجوز أن يكون ألم خبر مبتدأ مضمر تقديره هذه ألم فتكون جملة مستقلة بنفسها ، ويكون ذلِكَ مبتدأ ثانيا و الْكِتابُ خبره ويجوز أن يكون صفة له ، أو بدلا أو بيانا و لا رَيْبَ فِيهِ هو الخبر عن ذلِكَ أو يكون الْكِتابُ خبرا ل ذلِكَ ولا ريب فيه خبر ثان ، وفيه نظر من حيث أنه تعدد الخبر ، وأحدهما جملة لكن الظاهر جوازه كقوله تعالى : فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى « 3 » إذا قيل إن تَسْعى خبر وأما إن جعل صفة فلا . وقوله : لا رَيْبَ فِيهِ فيجوز أن يكون خبرا كما تقدم بيانه ، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال ، والعامل فيه معنى الإشارة و لا نافية للجنس محمولة في العمل على نقيضتها « إن » واسمها معرب ومبني . فيبنى إذا كان مفردا نكرة على ما كان ينصب به ، وسبب بنائه تضمنه معنى الحرف وهو « من » الاستغراقية يدل على ذلك ظهورها في قول الشاعر : 94 - فقام يذود النّاس عنها بسيفه * فقال : ألا لا من سبيل إلى هند « 4 » وقيل : بني لتركبه معها تركيب خمسة عشر وهو فاسد ، وبيانه في غير هذا الكتاب . وزعم الزجاج أن حركة « لا رجل » ونحوه حركة إعراب ، وإنما حذف التنوين تخفيفا ، ويدل على ذلك الرجوع إلى هذا الأصل في الضرورة كقوله :
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آيتان ( 1 - 2 ) . ( 2 ) سورة ق ، آيتان ( 1 - 2 ) . ( 3 ) سورة طه ، آية ( 81 ) . ( 4 ) انظر البيت في همع الهوامع ( 1 / 146 ) ، الأشموني ( 2 / 3 ) ، الدرر ( 1 / 125 ) .